جُمّار
发布时间:2026-09-12 | 浏览:1
كاظم الساهر بالنسبة لي ليس مطرباً مفضلاً فقط، بل واحداً من أصوات البيت العراقي نفسه، صوت صدح من سطح البيت في الصيف، مع انطفاء الكهرباء، والراديو المعطوب، والحرب، والبلوتوث، واليوتيوب، ثم من سنوات الكتابة والعمل، والانتظار الطويل لحفلة واحدة جاءت متأخرة بما يكفي لتبدو كأنها تلخّص عمراً كاملاً من الاستماع.
على سطح بيت تفوح منه رائحة الطين، مخصص لنوم العائلة في ليالي الصيف، هرباً من انطفاء الكهرباء، تبدأ حكايتي مع كاظم الساهر، بمشاركة أختي المراهقة التي تملك جهاز راديو شخصياً بسماعات يعمل منها غالباً طرف واحد، نتصارع عليه، فإما أن تنقذنا الإذاعة وتذيع الأغنية، أو تضطر هي لغنائها حتى أنام.
في ذلك العمر بالتأكيد لا توجد امرأة تطير كالحمامة البيضاء في فكري، لكنني أنتظر أن يسقط الساهر من الفرس في فيديو كليب “ أشهد “، وهذا كل ما يهم الطفل الذي يأتي راكضاً خوفاً من أن يفوته المشهد. إذا فاتني فليس للأغنية داعٍ، وإن حضرتها من البداية أضطر لانتظار المشهد، وبالتأكيد ستصبح بقية المشاهدة محببة.
القبعة المقلوبة، والقميص الذي يحركه الهواء.. أنا أحب كاظم، هذا ما يعرفه الأطفال عني. لقد أثرت بي الصور الكثيرة التي تحتفظ بها أختي، وصوت كاظم الذي لا يفارقها، وصراعها الذي تقف به وحيدة أمام خمس من بنات عمي اللواتي يفضلن مطربين آخرين. ولا أعرف: هل كان كاظم واحداً من العائلة؟ هل هو من أقربائنا؟ أنا طفل “ساهري”، ولكاظم في ذاكرتي صور وأصوات أكثر من أفلام الكارتون.
تزوجت أختي وأنا في عمر الثامنة، أو في الصف الثاني الابتدائي، حيث غبت عن درس الرياضيات الذي كان مطلوباً منا أن نجلب فيه كرات زجاجية. حزنت مثل أي طفل لا يعرف معنى لزواج أخته إلا الفراق. هل ستنتهي القصة مع الساهر؟ كيف؟ وهي تزوجت بالقرب منا، وبيت زوجها ملاصق لبيتنا، ونلتقي باستمرار، ونتحدث عن غنائها لي: “بيدي أمشط لك حبيبي وأمسح دموعك بديا”، كيف تنتهي العلاقة؟
ويبقى أخي، الذي يكبرنا، وهو من كان يمدّ البيت بالألبومات والصور، والذي استغنى عن شعره الطويل نسبياً للحصول على قصة شعر كاظم الساهر الجديدة؛ لغرض التقاط صورة نرسلها لأبي الذي سافر إلى ليبيا.
إذا فتّشت جيداً في ذاكرة الطفل ستكون هناك مجموعة أغانٍ اخترقت عالمي في وقت مبكر. أغنية “بعد الحب” التي أُضيفت إلى مشهد من مسلسل “ هستيريا “، وأغنية “ شجاها الناس ” التي كانت مقدمة لمسلسل “نادية”، وأغنية “أنا وليلى” في المشهد الذي تتحول فيه الصورة إلى الأبيض والأسود، وأغنية “استعجلت الرحيل” التي أُرفقت بجنازة الفنان رياض أحمد، خصوصاً أن ابن عمتي مدمن لإعادة قرص جنازة مطربه المفضل. لكنها لا توجد كأغانٍ مكتملة مثل “ها حبيبي”.
بعدها بفترة قصيرة سيأتي عام 2003، وستغزو التلفاز أخبار الحرب، ثم أغاني الحرب التي يغيب عنها الساهر، وتمتلئ الشاشة بمطربين يحملون أسلحة، ويبدأ صوت الغارات، ولا وقت للتفكير بغير النجاة. ومع تدهور الكهرباء، لا وقت للاستماع أو التفكير بمطرب.
ننتقل أنا وعائلتي للعيش في مكان آمن لحين انتهاء الحرب، مكان بعيد عن بغداد، في غرفة داخل بيت لعائلة، وهذه الغرفة لا تحتوي على جهاز تلفاز أو راديو. كان معنا في غرفة العائلة التي نسكن معها تلفاز مخصص للأخبار، وكان مع أخي جهاز راديو، وهو كذلك لا يبث إلا أخبار الحرب.
تنتهي الحرب بسرعة، ويعود الأب من السفر ومعه جهاز “الستلايت” الذي يحتوي على الكثير من القنوات التلفزيونية. تظهر فيه أغنية “ بغداد لا تتألمي “، ولا تعني لطفل في الـ11 غير وجود كاظم وسط مجموعة من المطربين العرب وهو ينادي لبغداد.
ننتقل للعيش في مكان آخر، وتبدأ الحكاية بشكل آخر، حيث الكثير من الأغاني، والكثير من المطربين، والكثير من القنوات المخصصة للأغاني. مع كل هذا، تصبح “أنا وليلى” أغنية الصبي المفضلة، أو بدأت تأخذ مكانها الطبيعي لتصبح أغنيتي المفضلة حتى الآن.
تسألني أمي حينها: “هل تفهم الأغنية؟” أدّعي ذلك. رغم بكائي الذي يرافق الأغنية بقيت بعض الأبيات عصية على فهمي، مثل “لا حزن أبوح به”، كنت أعتقد أن الأغنية تقول “لا حزن أبو هذيل”، وهو الشاعر الذي فقد أولاده، وهذه معلومة عرفتها من المدرسة.
ولفترة طويلة كنت أبحث عن سبب وجود كلمة “زيتا” في الأغنية، لكنني أخجل أن أسأل أحداً عن أغنيتي المفضلة، إلى أن عرفت مفردة “زيفاً”. وهنا تأتي معجزة الموسيقى بشكل عام، ومعجزة “أنا وليلى” بشكل خاص، حيث يمكنك التفاعل مع شيء لا تفهمه أصلاً.
في عمر الـ12، استمعت إلى ألبوم “إلى تلميذة” كاملاً مع أخي الذي يملك مسجلاً خاصاً، لكن للأسف سيأخذه معه إلى معمل الخياطة الذي يعمل فيه. وفي الفترة نفسها، امتلك أخي هاتفاً يحمل موسيقى “صبّ لي من إيدك مي ورد” كنغمة لا كأغنية.
غادر أخي معمل الخياطة، ثم بدأ بتعلم المونتاج، فأعاد مونتاج أغنية “مستقيل” مع فيلم “تايتنك”. “سعاااااااد”… صدمة. هل غنّى كاظم لامرأة غير ليلى؟ ما هذا الشعور الذي يرافق “سعاد”؟ بدأت أعلم أن هناك الكثير من الأغاني لكاظم الساهر، وسأحتاج وقتاً للتعرف عليها.
هناك موجة كبيرة من المطربين، والكثير من الأغاني، والكثير من القنوات التلفزيونية. هل سأبقى أتنقل بين القنوات أملاً في أن أجد أغنية للساهر؟
لست في زمن يمكن أن أملك فيه جهاز مسجل، وليس لدي القدرة على شراء كاسيت، وزمن الكاسيت تقريباً انتهى. وجدت مسجلاً كبير الحجم في البيت، وعندما أريد تسجيل أغنية من التلفاز يجب أن يصبح البيت صامتاً، ويجب أن أحمل المسجل الكبير وأقف قرب التلفاز. لم أنجح إلا بتسجيل جزء من “أحبيني”.
الأمر معقد، ومحاولة امتلاك مسجل وكاسيت أصبحت عادة قديمة، يقدم الآن التلفزيون كل شيء، ومن خلاله تعرفت على “مدينة الحب”، و”أرسم وجهك بالطبشور عالحيطان”، و”زيديني عشقاً”، وأصبحت أحب الأغاني التي يقدمها على المسرح.
أنا في السادس الابتدائي، هل أعرف الحب فعلاً؟ هل توجد من أقول لها: “هل عندك شك؟” هذه الكلمات والألحان التي يستصعب بعض مراهقي ذلك الزمان الاستماع إليها، كيف اخترقت عالم طفل مثلي؟ هل هي ميزتي أم ميزة كاظم؟
أنا أتبجح على أقراني بمعرفتي به، وسأدخل الدراسة المتوسطة بطريقة جديدة: أنتقي الناس وفقاً لما يسمعون. قل لي ماذا تسمع لكي أراك، ومن كان لا يعرف كاظم فسأتكفل أنا بتعريفه به.
التقيت بزملاء المتوسطة بعد سنوات، واستمعت إلى جملة: “أنت الذي عرّفنا بكاظم”. واستمر هذا الفعل ليومنا هذا، أصبحت أعرّف به من هم أصغر مني في الكلية. أحد الزملاء الذين عرّفتهم به أنكر ذلك، وادّعى أن زوج أخته هو من أدخله عالم كاظم. انزعجت، رغم أن سؤالاً بقي في داخلي: أين كان زوج أختك قبل أن تعرفني؟
وفيما بعد اكتشفت أن الكثير من “الساهريين” ينتقون الناس على أساس الاستماع إلى كاظم، ويتكفلون مثلي بمن لا يستمع إليه.
في المتوسطة، أي في عام 2006، بدأ يدخل عالمي جيل جديد من المطربين، مع التعرف على بعض المطربين الكبار. هل سيحافظ كاظم على مكانته وسط هذا الكم من المطربين الجدد والأغاني الكثيرة والقنوات التي تبث للجميع؟
وأنا لست من الجيل الذي رافق كاظم منذ بداياته، هو نجم في اللحظة التي ولدت فيها. لذلك بقيت أجمع لكاظم، لقد تعرفت على بعض أغنياته في وقت متأخر من صدورها.
لكن نجوم جيلي مختلفون، وكاظم مختلف، هو نجم كل الأجيال بالنسبة لي.
أول هاتف نقال امتلكته في عمر الـ14، كان هاتفاً مشتركاً مع أخي. لا أتذكر من الهاتف شيئاً، إلا اللحظة التي أصبح يحتوي فيها على أغنية “أنا وليلى”، التي أخذت جزءاً كبيراً من ذاكرته، لكنها أصبحت الآن ملكي، أستطيع تشغيلها حتى ينتهي الشحن.
الآن أصبحت في عمر أحتاج فيه إلى ليلى، لكن كيف أجد فتاة من جيلي تفهم ما يقوله كاظم؟ هل توجد؟
أغاني كاظم ليست أغانيَ فقط، هي لغة مشتركة بين العشاق. الفتاة التي تعرف كاظم تقدّر الحب، تعرف معنى الكلام، وتعرف أنني الرجل الصغير الذي يقدّر المرأة، في زمن فيه الأغاني منفعلة تجاه المرأة ومتوعدة لها.
حياتي العاطفية ليست مهمة الآن، لكن هناك مشكلة: أنا حددت مطربي المفضل قبل كل شيء في حياتي، أي حددت معايير للنساء أو للفتيات اللواتي بعمري، وربما بعضهن لم يغادرن مرحلة الطفولة. هل جعلني كاظم أنضج مبكراً؟
كيف اخترق كاظم حياة الطفل بـ”بيدي أمشط لك حبيبي”، والآن سأدخل عامي الـ15، وقد تراجعت هذه الأغنية كثيراً عن بقية الأغاني؟ هل كان يقصد أن يغني هذه الأغنية للأطفال ليجذبهم إلى “أنا وليلى”؟
أتذكر “دلع عيني دلع”، لكنها لم تكن لي، رغم أنني كنت طفلاً، أما “البنية” فكنت قد تجاوزتها عمرياً.
أنا الآن في “مدينة الحب”، أمشي في شوارعها، وأنا في مدرسة غير مختلطة. كل ما أتذكره عن النساء الصالحات للارتباط بي هو اللعب في الابتدائي.
لكن عرفت أن مدير مدرستي الابتدائية لديه صور مع كاظم الساهر في أيام الشباب، وتمنيت أن أشاهد تلك الصور. لكن يقال إن كاظم طلب إرسالها له ليحتفظ بها، حيث كان وصف الصور أنه بشعر طويل جداً ولم يكن بكامل أناقته.
وعرفت أن حسن المرواني صديق لأبي، وطلب أخي الكبير ألبوم “أنا وليلى” الأصلي. أعترف أنني غرت من طلب أخي، لكن كان له الحق، فهو طالب جامعي.
لم يكن أبي يهتم كثيراً، ولا صديقه الذي كتب “أنا وليلى”، الذي يعيش وكأنه لم يكتب هذه القصيدة. بعدها أُثيرت مشكلة حول “أنا وليلى”، وكتب أبي مقالاً عن حسن المرواني والقصيدة.
شعرت بالانتصار لكاظم، رغم أنه لم يكن طرفاً في الصراع القائم بين المرواني وغيره حول القصيدة. ويتذكر أبي أنه التقى أحد زملاء حسن المرواني في الكلية، وقال له: “أنا الذي كتب عني صديقك: نفيت واستوطن الأغراب في بلدي.. أنا أخذت ليلى”.
وكنت أروي بعض هذه الأخبار لزملائي وكأنني أُقرّبهم لكاظم، رغم أنه لا علاقة له بليلى الحقيقية.
وفي تلك الفترة، كان حسن المرواني يحاول أن يزوّج ابنه الكبير، ويتحدث مع أبي عن عدم تواصله مع الساهر بشكل مباشر، بل كان ذلك عبر المطرب العراقي عبد فلك، الذي صنع هذا التواصل بطلب من كاظم.
كل ما كان يثير استغرابي هو عدم اهتمام المرواني بكل ذلك. هل ورّطنا بليلى وغادر القصة؟ أم أن كاظم هو من صنع كل هذا؟
عرفت أن الأغنية قد تصدرت أغاني القرن، أي إنني لست الوحيد الذي يعرف قيمة هذه الأغنية. وحتى خارج العراق، يعرف الجميع قيمة الساهر، فتجده حاضراً في الأفلام المصرية مثل “صايع بحر” و”الحاسة السابعة”، وتشعر أن كل ما يعرفه عنك العالم هو كاظم الساهر.. يا للفخر.
سيرافقه بعض المطربين، وتسمع جملة: “سيسحب البساط من كاظم”، لكن قدّمه الإعلامي نيشان في أحد برامجه واصفاً إياه بـ”آخر الأساطير”، وفي تلك اللحظة شعرت أن هذا أدق وصف قُدِّم للساهر، واستمر هذا الوصف إلى يومنا هذا، حيث أصبح من الصعب أن يظهر شخص يمكن أن يوصف بالأسطورة في الغناء.
هل أصبح كاظم صديقي؟ هل التقيته؟ أشعر بذلك دائماً، هل حلمت بلقائه؟ كثيراً في الصحو، وفي المنام لا أتذكر، لكن أثناء كتابة هذه المادة… ربما.
دافعت عنه أكثر مما دافعت عن أي صديق في حياتي. كل المطربين الذين تحدثوا عنه بسوء خاصمتهم، رغم إعجابي بردوده الهادئة والمتقنة دائماً، التي تشعرك بأنه فنان كبير لا يهتم إلا بفنه.
في هذا العمر أهملت بعض المطربين، خصوصاً إذا شعرت أنهم سينافسون كاظم، بقصد أو بغير قصد. سيظهر الكثير من المطربين، وأنا الشاب الذي يعتقد أنهم مجرد موجة. يا لهذا “الوعي الفني” الذي أملكه وأنا أتحدث عن الغناء والفن مع أصدقائي، وأقارن بين أغاني كاظم وغيره من حيث الكلمات واللحن والصورة.
ولا أعرف: هل الدفاع عن كاظم طوّر قدراتي، أم كثرة المتابعة؟
دخلت عالم السينما والكتب مبكراً، وقرأت الكثير من الجرائد والمجلات، مع الحرص على متابعة اللقاءات التلفزيونية والحوارات الصحفية التي يظهر فيها كاظم. توسع عالمي، وأصبحت أعرف الكثير من المطربين، وأحب الكثير من الأغاني، لكن إلى الآن لا يوجد منافس له.
سأبدأ بالتعرف على الأغاني العراقية الحزينة، وسأسمع رأياً سيبقى يرافقني دائماً: أن كاظم ليس حزيناً بما يكفي. وأسأل نفسي: ألا يكفينا نحن العراقيين حزن “أنا وليلى”؟ هل الوجع العراقي أكبر؟
ما زلت أتعرف على أغنياته. عندما دخلت عامي الـ16 أنتج 20 ألبوماً، أي أكثر من 200 أغنية.
عندما ظهر كاظم في “تاراتاتا” وغنّى مع مهند محسن “لا تحرموني”، ظننت أنها أغنية جديدة، واستغربت أن أخي كان يحفظها فهي من أغنياته القديمة التي لم تمر على مسامعي. إلى الآن، أظن أن هذه اللحظة هي ولادة الأغنية من جديد، خصوصاً مع تألق مهند محسن، الذي أصبح يغنيها وكأنها من أغانيه.
وفي وقت متأخر، قال لي أحد أصدقاء مهند المقربين إن الساهر أيضاً استغرب عندما طلب مهند أن يغنيا “لا تحرموني”، وكانت إجابة مهند: “هذا أجمل لحن قدمته”.
امتلك خالي حاسبة شخصية يمكنها الاتصال بالإنترنت، وقال لي: “يمكن أن نبحث عن أي شيء”. أي شيء؟ أي شيء؟
اكتب: “كاظم الساهر أنا وليلى”، ظهر لنا فيديو من حفلة يغني فيه مقطعاً من الأغنية، أي إنه غنى جزءاً منها ولم تكن كاملة، تعب من غنائها قبل أن أتعب أنا من الاستماع.
أظن أن الفيديو يسبق النسخة الأصلية الموجودة الآن على قناة يوتيوب روتانا. وبعد أن انتهت الأغنية سألني خالي: “من ليلى؟” لا أعرف كيف أجيب، وأنا لا أعرف إلا ليلى الموجودة داخل الأغنية.
بحثت عن ليلى تخصني، ولم أجد في أقاربي ولا في بنات منطقتي فتاة اسمها ليلى، إلا واحدة في طرف المنطقة، وخاب ظني عندما عرفت أنها أصغر من أن تنطبق عليها الحكاية.
التقيت أحد أقاربي الذي كان يملك كل أغاني كاظم في هاتفه النقال، وبدأت أنتظر اليوم الذي أملك فيه هاتفاً يحتوي كل الأغاني. أتذكر اللحظة التي اشتريت فيها الهاتف، وتوجهت مباشرة لنقل كل الأغاني.
وصلت ولم أجده، فاضطررت إلى الانتظار ليلة كاملة بهاتف جديد لا يحتوي شيئاً، حتى إنني خفت أن أضع فيه صورة، ثم عدت في اليوم التالي، وبدأت عمليات النقل عبر البلوتوث.
نقلت أغاني حتى امتلأت ذاكرة الهاتف، نقلت كل الأغاني التي يملكها الشاب، ولم تبقَ مساحة لصورة أو فيديو أو أي شيء.
سأتعرف على بعض الأغاني كذلك، ويبدأ التفكير بامتلاك هاتف بذاكرة أفضل. لم أعانِ كثيراً، ففي وقت قصير أصبح الإنترنت في كل البيوت، وأصبح لدينا أكثر من حاسبة محمولة.
سأدخل السادس الإعدادي، وهو أهم المراحل الدراسية في العراق، حيث يؤهلنا للكليات. في بداية هذه المرحلة، أصبحت أستمع كثيراً إلى “أراضي خدودها” و”إلى من كانت الأولى”، و”نزلت للبحر”، ولا أعرف هل اكتشفتها تواً أم أعيد اكتشافها.
في هذه المرحلة، قررت مع صديقي كتابة أغاني كاظم التي نعرفها. انتهى الدرس ونحن نجمع الأغاني، تجاوزنا مئتي أغنية وتوقفنا، ثم أضفت إليها بعض الأغاني.
بعض الأغاني التي كتبناها أعرف أسماءها ولم أستمع إليها، لكنني سأبدأ مرحلة جديدة مع الحاسبة التي تحتوي على محرك بحث، سأترك الأغاني وأبدأ بمشاهدة كل الحوارات التلفزيونية التي ظهر فيها.
أفتح الحاسبة وأبدأ تشغيل حوار، ثم الآخر، لأيام متواصلة، حتى قال لي أبي: “هل عندك امتحان بكاظم؟”
أصبحت أعرف عنه ما لم يعرفه أحد، معلومات، وأغنيات، وتفاصيل قد يكون نسي هو نفسه أنه ذكرها، وأصبح من يريد معلومة عنه يسألني. أفند بعض التصريحات وأؤكدها، عرفت تقسيم الألبومات، وكل أغنية وشاعرها، وما زلت حريصاً على متابعة حواراته.
في آخر ظهور له مع منى الشاذلي في عام 2022، جاءني صديقي صباحاً إلى المقهى وهو يحمل فرحتي نفسها. بعدها فهمت أنه سعيد بسبب لقاء كاظم مثلي، ووصف فرحته: “كأن المنتخب العراقي فاز، وليس لقاءً لمطرب”.
لهذا اللقاء خصوصية، حيث شعرت أن الشاب الذي شاهدت له لقاءات في بداية التسعينيات كان يرى أنه سيصبح هذا النجم الكبير، وظهر بالأحلام نفسها، والفكرة نفسها: أن يعطينا ألحاناً نحبها، وهذا معنى حياته.
كاظم قدم مشروعاً متكاملاً من حيث المنجز الإبداعي وصورة الفنان المثالي. وقد يعترض البعض على هذه المثالية، لكنه من أفضل من استخدم تأثيره لتقديم أفكار تبني الإنسان، من الاهتمام بالمشروع الشخصي، إلى تطوير الذات والانضباط في الحياة.
حتى إن لم يطبق كل ذلك، تُحسب له هذه الأفكار. ويمكن لشخص مثلي، تابع كل حواراته، أن يجزم بأنه يحمل هذا العبء منذ البدايات، ونتائج هذه المثالية واضحة، فرغم كل الصعوبات والتحولات التي رافقت مسيرته، ظل مشروعه متماسكاً وناجحاً.
في السادس الإعدادي، توفرت لي كل الخيارات التي تجعلني أهمل الدراسة قليلاً، أو أبحث عن مسار آخر، فقررت تعلم الموسيقى. امتلكت غيتاراً، ثم بعته واشتريت عوداً.
عرفت أن “استعجلت الرحيل” على مقام العجم، وهو أول مقام يتعلمه أي موسيقي. أصبح لدي أصدقاء موسيقيون، وما زلت أحاول أن أتعلم العزف، وقد عرفت الكثير عن الموسيقى، والقليل عن العزف.
أعرف كيف يبدأ مقام النهاوند، الذي تقوم عليه “زيديني عشقاً”، وسأتعرف على الضغطات الأولى لمقام الصبا، وسأعرف أن “نفيت واستوطن الأغراب في بلدي” على مقام الصبا.
تعلّم أصدقائي العزف، خصوصاً أنهم سبقوني بالكثير، وهم يملكون أصواتاً جميلة. أصبح عندي صديق للحديث عن الموسيقى والتعلم.
تركت التعلم، وطلبت منه أن نتابع “أنا وليلى” وانتقالاتها الموسيقية، كيف تبدأ بالنهاوند، وصولاً إلى الصبا، ثم الريست، والمرور على الكرد.
أعتقد أننا حسبنا 11 تحويلة، وهذه معلومة غير دقيقة، وستبقى كما هي من شابين من الهواة، لكن كيف تختفي من ذهني الليلة التي جلست فيها لأتعرف بشكل أكبر على أغنيتي المفضلة؟
سأترك آلة العود لأنني لن أصبح كاظم الساهر، لكن سيبقى حب الموسيقى مستمراً. أصبحت أفضل في التلقي، أستطيع أن أفهم كيف يعبر كاظم، وأشرح لأصدقائي بعض ملاحظاتي.
أصبحت أعرف لماذا يقول: “فأنا من بدء التكوين، أبحث عن وطن لجبيني… عن حب امرأة يأخذني لحدود”، لكي نرى الحدود، ثم “الشمس ويرميني”، وكأنه يرمي الكلمة فعلاً ليشعرنا بالسقوط من الشمس إلى الأرض.
وكيف يقول الكورال: “سيفان من نار يختصمان في كبدي”، ويرد هو: “آه، سيفان من نار”، وكأنه حوار بينه وبين الكورال في أغنية “كان صديقي”.
وبالتأكيد شاهدت الفيديو الذي يوضح به لحن “زيديني عشقاً” للشاعر نزار قباني، ويوضح أنها مختلفة عن “إني خيرتك”.
أصبحت أسأل: هل هو يلحن الموضوع؟ أم يلحن كلمة كلمة؟ أحياناً أشعر أنه يلحن الحروف حرفاً حرفاً، مثلما التقطت في “لا تحرموني” قوله: “إني يمكم جسد باقي، وروحي يمّه تظل شمعته”، كيف يقول كلمة “باقي” وحدها بمقام مختلف عما قبلها وبعدها!
ولو دققنا في هذه الأغنية لوجدنا أن إعجاب مهند محسن بها لم يكن من فراغ. تبدأ الأغنية بحوار مع الأهل، بنبرة هادئة، وكأنها طلب: “لا تحرموني منه بالغصب والإكراه، لا تبعدوني”، ثم يرتفع الصوت قليلاً عند إعلان “إني حر باختياري”، ثم يرتفع أكثر عندما يريد أن يُسمِعهم رفضه.
ثم يوجه كلامه للحبيب بصوت هادئ: “يا وحيدي يا حبيبي”، لكن “صابرين” تخرج بكل الألم صبر العاشقين، ثم يهدأ عندما يسلم الأمر لله.
في المقطع الثاني، يؤكد رفضه بطريقة أكثر حدة: “لو حبستوني بغرفتي”، وصولاً إلى “باقي” التي تؤكد الرفض التام، ثم يتغير الإيقاع والطريقة، وكأنه يتصل بحبيبته ويقول: “أبد ما يهمك حبيبي، آني إلك مهما يكون”.
في هذه الأغنية، لا توجد كلمة “أهل” أو “عائلة”، الشاعر يخاطب ناساً مجهولين، ولا دلالة على خصومة عائلتين أو رفض عائلة معينة، لكن اللحن يخلق هذا العالم المتخيَّل.
بدأت أفهم كاظم بشكل أفضل، لكن هل التلحين بهذه السهولة؟ هل يحتاج إلى فهم الكلمة فقط، أم أنه يعطيها بعداً آخر، كما في أغنية “الليلة إحساسي غريب” بتكرار سؤال “إنت وينك؟”
يمكن تفصيل كل أغاني كاظم بهذه الطريقة، من روائع القصائد إلى الأغاني البسيطة.
كان متداولاً أن الأغاني أصبحت تُلحَّن بطريقة سريعة، بجملة موسيقية واحدة تتكرر، وهناك رأي يقول إن بعض الملحنين يستخدمون الطاولة بدل الآلة الموسيقية لتقديم اللحن. هل انتهى زمن الموسيقى الكلاسيكية؟ هل انتهى زمن كاظم الساهر؟
“محكمة”… أغنية أجابت عن هذا السؤال.
لا يبدو أن الساهر مهتم بما يدور حوله، هو يقدم فنه الخاص بكل زمان. شكلت “المحكمة” نجاحاً كبيراً وسط الكثير من الأغاني السريعة في عام 2009، وأثبت الساهر مرة أخرى أن الأغنية الجميلة لا تهتم بالزمن.
ثم في 2011، سيجازف أكثر ويقدم ألبوم “لا تزيديه لوعة”، وأغنية “لا تزيديه لوعة” هي قصيدة نثر بلا قافية لبدر شاكر السياب وبإيقاع أهل البصرة.
في زمن “الهيوة”، ستكون حاضرةً أغنيةُ “ما أحبك بعد روح” لتنافس هذا الإيقاع. قال إنه قدمها لأن وسام ابنه يحب هذا اللون، رغم أنه لا يفضله.
هل نجح مرة أخرى؟ نعم.
في بداية التسعينيات، سئل الساهر عن بعض الأغنيات التي لم تشكل حضوراً، فأجاب بأن هذا ليس الوقت المناسب للحكم عليها، وطلب من الناس أن يمنحوها الوقت الكافي؛ لأن أغنياته لا تنجح جميعها عند صدورها، وهو مؤمن بأنها ستنجح لاحقاً.
هذا ما يرافق الساهر إلى الآن، حيث أصبحت أغنية “مع بغدادية” رائجة جداً في العراق عام 2024، وهي من ألبوم “صور” الذي صدر عام 2008. وازدادت مبيعات “الشال الكشمير”، وأعاد غناءها في مهرجان “بين ثقافتين”، وضحك عند الوصول إلى “الشال الكشمير”.
وفي عام 2025، انتشرت أغنية “الويل ويلي” في العراق بصوت حسين الأمير، وهي أغنية قدمها الساهر في بداية التسعينيات ضمن ألبوم مشترك، لكن لم يكن الجميع يعلم أنها أغنيته لأنه لم يُعِد غناءها كثيراً.
تكتشف أن الساهر يقدم جملاً موسيقية قادرة على اختراقك في أي وقت، وأنه منذ بداياته يعرف ماذا يقدم، وكيف يراهن على ما يقدمه. لا يفكر بطريقتنا نحن المحبين، لا ينتظر أن تنافس أغنيته، ولا ينزعج إن لم تُسمع فوراً، يقدم الأغنية أو الألبوم، ثم يبدأ العمل على ما هو قادم. أعتقد شخصياً أنه لا ينتظر ردود الأفعال، هو رجل يمارس الحياة كملحن، يحاول أن يقدم كل ما يملك من موسيقى، لذلك ينسى بعض أغنياته وألحانه.
ذكر في أحد اللقاءات أغنية “من بين إيده وضاع مني”، وقال إنها من ألحانه، لكن لا توجد نسخة بصوته. وذكر أيضاً أن لديه أكثر من 200 لحن لم تخرج للناس. كانت هذه الجملة صادمة للبعض، بين من لم يصدق، ومن يتمنى سماعها.
وأكد الموزع الموسيقي ميشال فاضل هذا الكلام، حين تحدث عن طريقة اختيار الأغاني للألبومات، وقال إن كاظم يملك أكثر من 1500 لحن، وأسمعه الكثير منها لاختيار ما سيدخل الألبوم. يمكن تأكيد ذلك من خلال أغنيته “يا وفية”، التي تحدث عنها الشاعر كريم العراقي عام 2016 تقريباً، وظهرت في ألبوم “مع الحب” عام 2024.
وتحدثت بشكل شخصي مع الشاعر بشير العبودي، الذي ذكر أن بينه وبين الساهر تعاوناً في الألبوم العراقي القادم، لكن لم تكن إجابته واضحة بخصوص الأغنية، فقد يكون الساهر أخذ منه نصوصاً منذ التسعينيات، ولا يعرف أيها سيظهر، أي إن كاظم يملك أرشيفاً كبيراً من النصوص والألحان التي لم تظهر بعد، وأعتقد أن لديه قلقاً حقيقياً عليها.
في لقائه مع منى الشاذلي، تحدث الساهر عن خوفه خلال فترة كورونا على موسيقاه، أين ستذهب؟
لذلك لدي اعتقاد، أو ربما طلب، أن يقوم القائمون على أعماله بتوثيق كل هذه الموسيقى، وكذلك ما فُقد من الأعمال القديمة أو النسخ غير الكاملة، فأغاني كاظم يصعب أن تُسمع بصوت غيره، هو رجل يصوغ موسيقاه لصوته، حتى إن بعض الأغاني لا يمكن لأي مطرب أن يقترب منها. وفي برامج المواهب يثبت ذلك عندما يختار الأغاني الأبسط، أو التي يمكن للمشتركين غناؤها معه.
لا أعرف الآن، هل أكتب عن كاظم أم عن نفسي؟
سأدخل كلية الإعلام وأنا أعتبر أن أغنية “ها حبيبي” أغنية بسيطة جداً، ولو وُضعت على الورق لما وُجدت جملة شعرية لافتة. لكن كيف استطاع كاظم أن يصنع منها أغنية؟ هذا السؤال بقي يرافقني لأنها هي من أوصلتنا إلى هنا.
في الدروس العملية كنت الأبرز في مادة الحوار. كان يُطلب منا إعداد حوار صحفي مع شخصية، نضع الأسئلة ونفترض الأجوبة، وأنا في كل امتحان أحاور الساهر، بطريقة لم يُحاوَر بها سابقاً.
كنت أحفظ كل ما وُجّه له من أسئلة، وكل ما قدمه من إجابات، وأحاول أن أركز على قضايا لم تُطرح عليه. كانت الدرجة الكاملة من نصيبي دائماً، تستغرب الدكتورة، التي تعرف أنني لست الطالب المثالي، لكن هنا أنا أمارس هوايتي.
بعد أكثر من امتحان، بدأت أحتفظ بأسئلتي، لا يمكن لسؤال لم يُطرح على نجم بهذا الحجم أن يتحول إلى مجرد امتحان.
في أحد الامتحانات، طلبت من الدكتورة أن أحاور شخصية أخرى، وكانت إجابتها باردة: “براحتك”، فقررت ألا أخاطر، وعدت إلى ضيفي الدائم.
رغم أنني أصبحت أعرف الكثير من الشخصيات، وتوسعت قراءاتي ومشاهداتي، فإن الحوار عن كاظم بيني وبين أي شخص آخر، حتى لو كان عابراً، كان أفضل حوار ممكن.
في الكلية لا تجد كثيرين يشاركونك هوسك بالكتب والسينما، رغم أنك في كلية إعلام، لكن عند الحديث عن كاظم تجد جمهوراً واسعاً، ويمكنك أن تتميز بينهم، أو تتبجح لأنك تعرف الكثير عنه.
في هذه الفترة ظهر برنامج “ذا فويس”، وبدأت أتابع الساهر بطريقة مختلفة، أدقق في ردود أفعاله، وفي الجمل التي تكشف جانباً جديداً منه؛ لأن هذا الظهور لا يحتمل التصنع. كنت أنتظر جملة أو تصرفاً لا يشبه الصورة المثالية التي رسمتها له.
أتذكر أنه اعترض على بيت من أغنية “عز الحبايب” لصابر الرباعي: “لآخذ بثاري لو شعري شايب”، وقال: “هل في الحب ثأر؟” هذا السؤال بقي في ذهني طويلاً.
بدأت ألاحظ أن القسوة والتهديد والمبالغة أصبحت جزءاً من نجاح كثير من الأغاني الحديثة، بينما هو يبتعد عن ذلك.
في هذه الفترة امتلكت سيارتي الخاصة، وعملت سائق “تكسي” لفترة قصيرة.
كان كاظم يرافقني دائماً، ويتكرر عليّ السؤال نفسه: هل يوجد سائق “تكسي” بهذا العمر يستمع إلى كاظم؟
السؤال يحمل فكرتين: أن سائقي التكسي يستمعون إلى نوع مختلف من الأغاني، وأن عمري لا يناسب هذا الاختيار.
تركت العمل، واستثمرت ما تعلمته في المونتاج، وبدأت بتقديم فيديوهات على السوشيال ميديا. في أحد الفيديوهات السياسي وضعت مقطع “إنت وينك” من أغنية “الليلة إحساسي غريب” في سياق ساخر، وعندما شاهده المخرج علي فاضل اعتبر الفكرة لافتة. أعتقد أن الأغنية نفسها صنعت تأثيراً كبيراً في الفيديو.
بدأت أُطلب للكتابة في مجال الكوميديا، وفي الفترة نفسها كنت أنوي الارتباط.
الفتاة التي ارتبطت بها لا تحب كاظم مثلي، لكن ألبوم “كتاب الحب” صدر في فترة خطوبتنا، وكانت تستمع إليه كثيراً. لا أعرف إن كانت تحبه فعلاً، أم كانت طريقة للتعبير عن محبتها لي.
بعد الزواج، بدأت مرحلة جديدة. التقيت بالكثير من النجوم، وكتبت لهم، ولم يعد لدي ذلك الانبهار بالشخصيات المعروفة. لكن كاظم بقي مختلفاً، هل هذا بسبب الموسيقى؟ أم بسبب الرحلة الطويلة معه؟ لا أعرف.
مرت السنوات، وانشغلنا بالحياة، بالأطفال، بالعمل، بالبرامج، بالمسؤوليات، لكن بقي حاضراً بين فترة وأخرى، في حديث عابر، في أغنية، في نقاش، حتى جاء يوم الحفلة.
ثماني سنوات بدون ألبوم، ظهور قليل، ثم إعلان عن ألبوم جديد في 2025. بعدها، جاءت الفرصة: حفلة في لبنان.
لم أكن متحمساً في البداية، لكن وافقت. حجزنا التذاكر، سافرنا، وصلنا قبل يوم، التقينا الأصدقاء، وفقدنا الأمل في ترتيب لقاء معه.
في يوم الحفلة، استيقظت وكأنني ذاهب إلى حدث كبير جداً. رحلة طويلة إلى أهدن، جبال، طريق، انتظار، توتر.
عندما وصلنا رأيت الجمهور، عرفت العراقيين من ملابسهم، من الحماس، من المبالغة في الاستعداد. دخلنا، ظهرت صورته على المسرح، ثم دخل على أنغام “زيديني عشقاً”.
أتذكر أن صديقي قال لي: “عندما يدخل ستسمع شهقة”. لم أسمعها… أنا من أطلقها.
وقف أمامنا، قال: “أني أعرف أنتم من وين جايين”، فارتفع صوتنا، شعرت أن الجملة لنا. بدأ الغناء، أكمل ساعتين بلا توقف، غنّى كل ما كنت أظنه صعباً عليه.
كنت ممزقاً بين التصوير والعيش في اللحظة. لكن عندما قال: “ها حبيبي مو على بعضك أحسك” عرفت أن هذه اللحظة لا يمكن أن تمر بدون توثيق.
عاد كل شيء، السطح، الراديو، أختي، الطفولة.
انتهت الحفلة ولم ألتقِ به، لكنني قلت له كل شيء، بطريقة لا يتقنها من التقطوا الصور معه.
أفكر الآن: هل قرأنا هذا الرجل جيداً؟ هل فهمنا تجربته؟ كيف صنع نفسه حتى بات ظاهرة لا يمكن أن تصنعها مؤسسة؟
أكثر من أربعين عاماً من النجاح، لا يمكن اختصارها بسهولة، رغم أن من عاشها رجل واحد: كاظم جبار السامرائي.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
الناصرية تعود إلى “الجفقيم” و”الطابوق”: سلاح أمام هجمات التراب
دليل النجاة من نسيب الحجي
الجفاف يهدد أشهى إفطار عراقي.. “قيمر السدة” جوهرة الجاموس العراقي